محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

47

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

معصيةٌ ، الحاملُ عليها بغضُ الله ورسولهِ وأميرِ المؤمنين ، ومضرتُها دائمة للإسلام والمسلمين ، ولا يمْكِنُ صدورُ مثل هذا من مؤمن البتة ، ولذلك صح " أن بُغْضَ أميرِ المؤمنين نِفاق " ( 1 ) . فكما أنَّه لا يُصَدَّق من زعم أن أبا هُريرةَ كان لوطياً مشهوراً في محافلِ الصحابة بذلك ، ولم يقتلوه ، ولم ينفوه ، فكذلك لا يصِحُّ أن يكون معروفاً عندهم بتعمد الكذب على رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في مثالب سيدِ المسلمين في عصره ، ولا يقتلوه أو ينفوه ، ولا يكذبوه ويُنَكِّلوا به ، وقد ذهب الجُوينيُّ ( 2 ) وغيره إلى أن تعمُّدَ الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كُفْرٌ وَرِدَّةٌ ، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ } [ الزمر : 32 ] مع قوله : { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [ البقرة : 254 ] وقولهِ : { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] ولذلك نزه أهلُ البيتِ الخوارِجَ النواصِبَ مِن تعمُّد الكذب ، وقَبِلُوا حديثهم وهُمْ كِلاب النَّار ( 3 ) . فإن قلت : لم يكن مشهوراً بالكذب وتعمُّدهِ على عصرهم ، وإنما بَانَ هذا بَعْدَ مُدَّةٍ .

--> ( 1 ) قطعة من حديث أخرجه مسلم ( 78 ) من حديث علي رضي الله عنه قال : " والذي فَلَقَ الحبة ، وبرأ النسمة إنَّه لعهدُ النبيِّ الأميِّ - صلى الله عليه وسلم - إليَّ أن لا يحبني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق " . ( 2 ) هو أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين ، شيخ الشافعية في عصره المتوفى سنة 438 ه - ، قال الإمام الذهبي في " السير " 17 / 618 وهو صاحب وجه في المذهب ، وكان يرى تكفير من تعمد الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي " طبقات السبكي " 5 / 93 : وصار الشيخ أبو محمد إلى أن من كذب متعمداً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفر وأريق دمه . ذكره ابنه في " كتاب الحرية " عنه ، وأنه كان لا يخلي الدرس من ذكره إذا انتهي إلى ذلك . وانظر " فتح الباري " 1 / 199 - 203 الطبعة السلفية . ( 3 ) حديث صحيح ، أخرجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى أحمدُ 4 / 355 و 382 ، وابن ماجة ( 173 ) ، وأخرجه من حديث أبي أمامة أحمدُ 5 / 253 و 256 ، وابن ماجة ( 176 ) والترمذي ( 3000 ) وحسنه . والحاكم 2 / 149 ، وصححه ، ووافقه الذهبي . وانظر " مصباح الزجاجة " ورقة 13 .